المغرب: مخدّر “البوفا” يغزو المدارس

أفريقيا بلوس/ هيئة التحرير

“كنت أبحث عن أي شيء يمكن أن ينسيني ما أعيشه لأجد نفسي أُدمن على المخدرات وأفعل أي شيء من أجل الحصول عليها”… هذا ما يقوله التلميذ أنور (16عاماً) عن حياته التي كادت أن تُدمّر بعد تناوله مخدر جديد يطلق عليه اسم “البوفا”. ويوضح لـ”الصحافة”: “المخدّر يخلّصك من مشاكلك الشخصية، ويجعلك تشعر بنشوة كبيرة وبقوة هائلة. جرّبته لأول مرة مع زملائي في الثانوية. إلا أن خطورته وخبر اعتقال شاب يبلغ من العمر 17 عاماً في يناير/ كانون الثاني الماضي بتهمة رمي صديقه من الطابق الثالث من مبنى في مدينة برشيد (على مقربة من مدينة الدار البيضاء) من جراء تناوله للمخدر، دفعاني إلى السعي للتخلص منه”.
بحث أنور عن طريق للخلاص من مخدر البوفا، فلجأ إلى جمعية الأزهار الاجتماعية والثقافية “لا للقرقوبي” بمدينة الدار البيضاء، مؤكداً أن حياة عشرات التلاميذ باتت عرضة للخطر بسبب المخدر الجديد، إذ يُوهَمُون بأنه مجرد منشط يخلق جواً مفعماً بالنشاط والحيوية ويساعد على الفهم والتركيز.
خلال الأيام الماضية، حذّرت فعاليات سياسية وجمعيات مغربية من انتشار مخدر البوفا في المدارس، والذي يُطلق عليه مخدر الفقراء بسبب سعره الرخيص بالمقارنة مع أنواع المخدرات الأخرى. في هذا السياق، أطلق الفرع المحلي لتحالف “فيدرالية اليسار الديمقراطي” المعارض بمدينة برشيد (وسط المغرب) تحذيراً بعدما أصبحت المدارس “ملاذاً مناسباً لتجار مخدر البوفا”.
وسأل في بيان: “من يحمي المؤسسات التعليمية من البوفا أو مخدر الفقراء الفتاك وما تواجهه من خطر محدق يهدد التلاميذ؟”.
   والبوفا بقايا مخدّر الكوكايين الذي يطهى على نار هادئة مع مادة الأمونياك، ليتحول إلى شكل صخرة أو كريستال، ويتم استنشاقه.
وغالباً ما يستخدم مع مواد أخرى مثل القرقوبي (أقراص مهلوسة) والحشيش والكحول.
يقول رئيس جمعية الأزهار الاجتماعية والثقافية “لا للقرقوبي” في الدار البيضاء، عبد المجيد القاديري، لـ “الصحافة”: “يستهدف مروجو مخدر البوفا بالدرجة الأولى تلاميذ المدارس والثانويات لسهولة استمالتهم ولما يميزهم من فضول طبيعي حيال التجارب الجديدة، وكذلك لسعره الرخيص وهو نحو 50 درهماً (5 دولارات) الذي يشجعهم على الإقبال عليه في البداية ثم الانتقال بشكل سريع إلى مرحلة الإدمان بعد تناوله لثلاث مرات”.
 ويلفت القاديري إلى أن جمعيته استقبلت مؤخراً حالات استهلكت البوفا، وباتت تعاني من أعراض مختلفة كالهلوسة والقلق وفقدان القدرة على التمييز والتفكير، ما يدفع بعضها إلى الانتحار أو يسكنها إحساس برغبة كبيرة في إيذاء الذات أو الآخرين.
يُتابع: “جاءتنا بعض الحالات وكانت بالفعل في مرحلة متقدمة من الإدمان ونحاول التعامل معها. كما أن بعض المدمنين على المخدر يدخلون عالم الإجرام من أجل الحصول على المال لاقتنائه، وهو ما يستغله تجار المخدرات فيحولونهم إلى تجار صغار لديهم للحصول على حاجياتهم من المخدر”، معتبراً أن “المدمنين ضحايا استثنائيون يدخلون أنفسهم في نفق يصعب الخروج منه بسبب الرغبة في تجربة مخدرات جديدة”.
يتعاطى الهيرويين (Getty)

يدمن كثيرون مادة الهيرويين (فاضل سنا/ فرانس برس)

ويدعو الحكومة والبرلمان والأهل والجمعيات إلى التدخل لحماية الأطفال والمراهقين من مخاطر مخدر البوفا الذي يغريهم بسعره المنخفض، مؤكداً على الحاجة الماسة والعاجلة إلى استراتيجية أقوى لمحاربة الإدمان والحد من انتشاره.  
من جهته، يقول رئيس فيدرالية جمعيات آباء وأولياء التلاميذ بالمغرب نور الدين عكوري، إنه “على الرغم من الجهود المبذولة من قبل مصالح الأمن، ما زلنا أمام انتشار المخدرات وأقراص الهلوسة التي يستقطب أصحابها زبائن هم عبارة عن تلاميذ. وهناك من يستغلهم في ترويجها”.
ويؤكد عكوري في حديثه لـ “الصحافة” على “ضرورة فرض عقوبات قاسية بحق كل من ثبت تورطهم في بيع الممنوعات وترويجها في المدارس ومحيطها، كونهم يدمرون مجتمعاً برمته”.
كما يطالب الأساتذة بالقيام بدورهم ومراقبة التلاميذ وحمايتهم من الأخطار المحدقة بهم.
وعلى الرغم من وضع القطاع الحكومي المكلف بالصحة استراتيجية وطنية لمكافحة الإدمان خلال الفترة ما بين 2018 و2022، لا تحظى مشكلة الإدمان حتى الآن بالقدر الكافي من الاعتراف والمتابعة من قبل هيئات الحماية الاجتماعية. وبحسب تقرير أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في ديسمبر/ كانون الأول 2021، فإن السياسات الحكومية في هذا المجال تبقى غير كافية في ظل اعتماد إطار تشريعي قديم لا يوفر الحماية اللازمة.
ويكشف تقرير “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”، استناداً إلى آخر الأبحاث التي أنجزها القطاع الحكومي المكلف بالصحة بشأن الإدمان، أن تعاطي المؤثرات العقلية (يقصد به تناول أي مادة لها تأثير على الجهاز العصبي وعلى العمليات العقلية، سواء عن طريق الشم أو التدخين أو البلع أو الحقن) بين المراهقين لا يقل خطورة. كما أن 9 في المائة من المستجوبين صرّحوا بأنهم استهلكوا القنب الهندي مرة واحدة على الأقل في حياتهم (64 في المائة بدأوا استهلاکه قبل بلوغ سن 14 سنة). كما أفاد 13.3 في المائة من المستجوبين بأنهم سبق أن جربوا استهلاك الكحول، بينما صرح 5 في المائة منهم بأنه سبق لهم استهلاك المؤثرات العقلية. كما أن 1.4 في المائة منهم سبق لهم استهلاك الكوكايين.
وكشف تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عام 2019، أن نسبة تعاطي مُخدِّر الكوكايين في صفوف تلاميذ المؤسسات الثانوية في المغرب بلغت 1.2 في المائة لدى الذكور، و0.4 في المائة لدى الإناث، بينما بلغت نسبة تعاطي تلاميذ المستوى الثانوي لمُخدّر “الكراك” 1 في المائة لدى الذكور و0.2 في المائة لدى الإناث. وبلغ استخدام المهدئات الطبية المخدّرة 2.3 في المائة بين التلاميذ (15 إلى 17 عاماً) بين عامي 2017 و2018.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*